الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

176

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وجميع نحاة الكوفة . فيفيد أن الإيمان يجبّ ما قبله في شريعة نوح مثل شريعة الإسلام . ويجوز أن تكون مِنْ للتبعيض ، عند من أثبت ذلك وهو اختيار التفتازانيّ ، أي يغفر لكم بعض ذنوبكم ، أي ذنوب الإشراك وما معه ، فيكون الإيمان في شرع نوح لا يقتضي مغفرة جميع الذنوب السابقة ، وليس يلزم تماثل الشرائع في جميع الأحكام الفرعية ، ومغفرة الذنوب من تفاريع الدين وليست من أصوله . وقال ابن عطية : معنى التبعيض : مغفرة الذنوب السابقة دون ما يذنبون من بعد . وهذا يتم ويحسن إذا قدرنا أن شريعة نوح تشتمل على أوامر ومنهيات عملية فيكون ذكر مِنْ التبعيضية اقتصادا في الكلام بالقدر المحقق . وأما قوله : وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فهو وعد بخير دنيوي يستوي الناس في رغبته ، وهو طول البقاء فإنه من النعم العظيمة لأن في جبلة الإنسان حب البقاء في الحياة على ما في الحياة من عوارض ومكدرات . وهذا ناموس جعله اللّه تعالى في جبلة الإنسان لتجري أعمال الناس على ما يعين على حفظ النوع . قال المعري : وكلّ يريد العيش والعيش حتفه * ويستعذب اللذات وهي سمام والتأخير : ضد التعجيل ، وقد أطلق التأخير على التمديد والتوسيع في أجل الشيء . وقد أشعر وعده إياهم بالتأخير أنه تأخير مجموعهم ، أي مجموع قومه لأنه جعل جزاء لكل من عبد اللّه منهم واتقاه وأطاع الرسول ، فدل على أنه أنذرهم في خلال ذلك باستئصال القوم كلهم ، وأنهم كانوا على علم بذلك كما أشار إليه قوله : أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [ نوح : 1 ] كما تقدم آنفا ، وكما يفسره قوله تعالى في سورة هود [ 38 ] وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ أي سخروا من الأمر الذي يصنع الفلك للوقاية منه وهو أمر الطوفان ، فتعين أن التأخير المراد هنا هو عدم استئصالهم . والمعنى : ويؤخر القوم كلهم إلى أجل مسمى وهو آجال إشخاصهم وهي متفاوتة . والأجل المسمى : هو الأجل المعين بتقدير اللّه عند خلقة كل أحد منهم ، فالتنوين في أَجَلٍ للنوعية ، أي الجنس ، وهو صادق على آجال متعددة بعدد أصحابها كما قال تعالى : وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ [ الحج : 5 ] . ومعنى مُسَمًّى أنه محدد معيّن وهو ما في قوله تعالى : وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ في